26 يناير 2026
المدونة / الاحدث / النساء السوريات والثورة: عقد من المعاناة والكفاح
في ربيع 2011 كانت الشوارع السورية تضجّ بأصوات وصيحات أبناءها الذين تدفقوا إلى الشوارع مطالبين بالكرامة والعدالة، لم تكن الهتافات وحدها جديدة، بل الوجوه أيضًا؛ إذ خرجت النساء السوريات إلى جانب الرجال من بيوتهن إلى الساحات، لا يحملن سوى أصواتهن وإيمانهن بأن الحرية ليست مطلبًا مؤجّلًا، وأن العدالة لا تستجدى.
في تلك اللحظة، لم تكن المرأة السورية حاضرة فحسب، بل كانت حاضنة للمعنى، فكان الهتاف لا يتردد، والجرأة حين يتراجع الآخرون، والذاكرة التي ستبقى حين حاول القمع محو كل شيء.
مع تحوّل الثورة السلمية إلى مواجهة مفتوحة مع نظام لا يعرف سوى العنف، أصبحت المرأة السورية في قلب الاستهداف، ولم يكن ذلك صدفة، بل سياسة واضحة: كسر المجتمع يبدأ من كسر النساء.
تعرضت آلاف السوريات للاعتقال منذ عام 2011، بعضهن بسبب مشاركتهن في التظاهرات، وأخريات بسبب نشاطهن الإغاثي أو الإعلامي أو حتى بسبب قرابة عائلية لأحد الثوار كأب أو أخ؛ وفي السجون لم يكن التعذيب جسديًا فقط، بل كان محاولة لمحو الذات: إهانة، تجريد، تهديد، وإخفاء قسري طال سنوات.
من بين تلك الأصوات التي عانت في المعتقلات ثم صمدت رغم ذلك، برزت "آمنة خولاني" التي حوّلت تجربة الاعتقال إلى شهادة حية على ما تعرضت له السوريات، وجعلت من ذاكرتها أداة مقاومة لا وسيلة انكسار، وقصتها ليست استثناءً، بل نموذجًا مكثفًا لمعاناة آلاف النساء السوريات اللاتي قضين في المعتقلات أو الناجيات اللواتي لم تكتب أسماؤهن في التقارير.
دفعت النساء السوريات أثمانًا قاسية: فقدان الأبناء، الأزواج، البيوت، والاستقرار.
آلاف الشهيدات، وعشرات الآلاف من الجريحات، وملايين النساء اللواتي وجدن أنفسهن فجأة مسؤولات عن أسر كاملة في واقع قاسٍ لا يرحم.
لكن المدهش في التجربة السورية أن الخسارة لم تنتج هشاشة، بل قوة من نوع جديد، قوة صامتة، عملية، يومية، امرأة تدير أسرتها، تعمل، تعلّم أبناءها، وتبقي الحياة ممكنة في ظروف لا تشبه الحياة.
ففي المخيمات لم تكن المرأة تنتظر المساعدات فقط، بل بادرت:
نظّمت الصفوف التعليمية، أسست مبادرات دعم نفسي، وخلقت أشكالًا بديلة من التضامن الاجتماعي. فهناك في آخر ملاذ لها حيث ضاقت الجغرافيا، اتّسعت الإرادة.
في قلب الثورة، لم تغب الأسماء النسائية التي اختارت المواجهة العلنية، ودفع بعضها أثمانًا مضاعفة، ومنها:
مي سكاف التي لم تفصل يومًا بين الفن والحرية، وواجهت الاعتقال ثم المنفى، جسّدت معنى أن يكون الموقف خيار حياة لا لحظة عابرة، ولم تكن مي حالة فردية، بل تعبيرًا عن جيل من السوريات اللواتي رفضن الحياد حين صار الصمت شراكة في القمع.
وكذلك رئيفة سميع التي شكّلت نموذجًا للمرأة السورية التي جمعت بين العمل المدني والوعي السياسي، وأصرّت على أن المشاركة ليست امتيازًا، بل حقًا.
هذه الأسماء مهمة، لا لأنها استثنائية، بل لأنها تكشف أن الحضور النسائي في الثورة لم يكن هامشيًا ولا عابرًا.
رغم الإقصاء ورغم النظرة التقليدية التي حاولت حصر دور المرأة في الجانب الإنساني، لم تتراجع السوريات عن الفضاء السياسي، إذ شاركن في المجالس المحلية، والمنظمات المدنية، والمبادرات الحوارية، وطرحن أسئلة جوهرية تتعلق بالدولة، والمواطنة، والعدالة الانتقالية.
هذا الانتقال من الألم إلى الفعل لم يكن سهلًا، لكنه كان طبيعيًا، فالمرأة التي واجهت السجن والنزوح والفقد، لا يمكن إقناعها بأن السياسة ليست من شأنها.
مع تحرير سوريا عام 2024، تقف سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة، فرصة لإعادة بناء الدولة، لا فقط المؤسسات، وهنا لا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية دون النساء، ليس بوصفهن ضحايا بحاجة إلى تعويض، بل بوصفهن شريكات في صناعة المستقبل.
فقد آن الأوان أن تتحوّل تضحيات النساء السوريات إلى حضور فعلي في:
إن استبعاد النساء في هذه المرحلة لا يعني تجاهل نصف المجتمع فقط، بل يعني تهديد أي مشروع استقرار طويل الأمد.
المرأة السورية لم تطلب يومًا امتيازًا خاصًا، فما تريده أن تعامل كمواطنة كاملة، وأن يعترف بكفاحها، لا أن يستثمر رمزيًا ثم يهمّش، واليوم وبعد سنوات من الثورة، والألم، والصمود، حان الوقت للانتقال من سردية المعاناة إلى مشروع النهضة.
نهضة لا تبنى فوق أنقاض النساء، بل تبنى بهِنّ ومعهنّ.
فـالمرأة السورية لم تكن صفحة في تاريخ الثورة، بل كانت - وما تزال - إحدى لغاته الأساسية.
© تحرير WITH Syria