26 يناير 2026
المدونة / الاحدث / عام على تحرير سوريا: قراءة في واقع مشاركة النساء السياسية
مرّ عامٌ كامل على تحرير سوريا وسقوط نظامٍ صاغ السياسة على مقاس الإقصاء والخوف، عامٌ كان كافيًا ليطرح سؤالًا لا يمكن تأجيله بعد الآن:
أين تقف النساء السوريات اليوم في المشهد السياسي الجديد؟
هذا السؤال لا ينبع من فراغ، ولا من رغبة في تمثيل رمزي، بل من واقعٍ تاريخي لا يمكن القفز فوقه، فالنساء السوريات لم يكنّ خارج السياسة يومًا، حتى حين أخرجن منها قسرًا.
منذ الأيام الأولى للثورة السورية عام 2011، شاركت النساء في صياغة الفعل العام: في التظاهرات، في التنسيق، في الإعلام، في الإغاثة، وفي بناء المجالس المحلية، وحين أغلقت الساحات، لم ينغلق حضورهن، بل تبدّل شكله.
على مدى سنوات، راكمت السوريات خبرة سياسية قاسية: تفاوض غير رسمي، إدارة أزمات، عمل مدني تحت النار، واشتباك مباشر مع مفاهيم الدولة والسلطة والعدالة، هذه الخبرة لا تقل قيمة عن أي تجربة سياسية تقليدية، بل ربما تتفوق عليها من حيث العمق والواقعية.
مع سقوط نظام الأسد عام 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة عنوانها إعادة البناء السياسي والمؤسسي، وهنا تحديدًا انتقل ملف مشاركة النساء من خانة المطلب إلى خانة المعيار، فلم يعد السؤال: هل تشارك النساء؟
بل: كيف تدار مشاركتهن؟ وهل هي فعلية أم شكلية؟
تشير قراءة أولية للمشهد السياسي خلال العام الأول بعد التحرير إلى مفارقة واضحة:
حضور نسائي ملحوظ في النقاشات العامة، والحوارات المدنية، والمبادرات السياسية، مقابل تمثيل أقل من المأمول في مواقع صنع القرار الرسمية.
هذه المفارقة لا تعكس ضعفًا لدى النساء، بل تكشف مقاومة بنيوية داخل الثقافة السياسية الانتقالية، لا تزال تتعامل مع مشاركة النساء بوصفها إضافة لا ضرورة.
واحدة من أخطر المزالق في المرحلة الحالية هي التعامل مع مشاركة النساء كـ "تكريم" على تضحيات سابقة، فهذا المنطق، وإن بدا إيجابيًا في ظاهره، يحمل في جوهره إقصاءً ناعمًا؛ لأن النساء السوريات لا يطالبن بمقاعد بوصفهن ناجيات أو ضحايا، بل بوصفهن فاعلات سياسيات يمتلكن رؤية، وخبرة، وقدرة على الإسهام في صياغة المستقبل.
إن اختزال حضور المرأة في قضايا النساء وحدها، يعيد إنتاج الإقصاء بأدوات جديدة، ويفرغ مفهوم المشاركة السياسية من معناه الحقيقي.
لا يمكن إنكار أن العام الأول بعد التحرير شهد تحولات مهمة:
لكن، في المقابل، لا تزال هناك تحديات بنيوية:
وهنا تكمن الإشكالية:
أي استقرار يبنى دون نصف المجتمع، هو استقرار هشّ بطبيعته.
تجارب الدول الخارجة من الاستبداد تظهر أن مشاركة النساء في المراحل الانتقالية ليست تفصيلًا ثانويًا، بل عاملًا حاسمًا في:
وفي الحالة السورية، تزداد أهمية هذا الدور لأن النساء كنّ في صلب المجتمع حين غابت الدولة، وأدرن تفاصيل الحياة اليومية في أقسى الظروف، وإن استبعاد هذا الرصيد من الفعل السياسي هو إهدار لفرصة تاريخية.
بعد عام على التحرير، تبدو الصورة مفتوحة على احتمالين:
إما أن تتحول مشاركة النساء إلى مسار مؤسسي واضح، أو تبقى رهينة المبادرات الفردية والضغوط المدنية.
الفرق بين الاحتمالين لا تحدده النوايا، بل القرارات السياسية الجريئة: في الدستور، في القوانين الانتخابية، في تشكيل الهيئات، وفي تعريف مفهوم القيادة ذاته.
عامٌ على تحرير سوريا كافٍ لنفهم أن إعادة بناء الدولة لا تعني ترميم الجدران فقط، بل إعادة تعريف من يملك الحق في القرار؛ فالنساء السوريات لا ينتظرن إذنًا للدخول إلى السياسة، لكن الدولة الجديدة مطالبة بأن تعترف بأن هذا الدخول جزء من نهضتها، لا عبئًا عليها.
فإن كان التحرير قد فتح الباب، فإن المشاركة السياسية للنساء هي ما سيحدد: إلى أين يقود هذا الباب، وبأي مستقبل.
© تحرير WITH Syria