المدونة / الاحدث / من نساء سوريا إلى العالم: بين الإنجاز والتحدي

من نساء سوريا إلى العالم: بين الإنجاز والتحدي

26 يناير 2026

ليست الطريق من سوريا إلى العالم خطًا مستقيمًا!

هي دروب متكسّرة، تحمل على جوانبها تعب الرحيل، وارتباك البدايات، وثقل الذاكرة التي لا تغادر، وحين تصل المرأة السورية إلى العالم، لا تصل خفيفة، بل محمّلة بحكاية بلدٍ لم تضمد جراحه بعد.

ففي كل قصة نجاح تروى، هناك قصة أخرى لا ترى، وفي كل إنجاز يحتفى به، ظلّ تحدٍّ يرافقه، كأن النجاح نفسه صار اختبارًا جديدًا.

 

حين يتحول الإنجاز إلى لغة

في العالم الخارجي لفتت نساء سوريات الأنظار لا لأنهن ناجيات، بل لأنهن فاعلات، نجحن في الرياضة، التعليم، العمل الإنساني، والسياسة، دون أن يفصلن إنجازهن عن السؤال الأكبر: ماذا عن سوريا؟

يسرا مارديني لم تعرف فقط لأنها سبحت في الأولمبياد، بل لأنها حملت معها قصة بحرٍ لم يكن سباحة، بل هروبًا من موتٍ محتمل، فقد تحوّلت قصتها كما تناولتها تقارير BBC وUNHCR، إلى خطاب عالمي عن اللجوء والكرامة، حيث صار الجسد الذي نجا وسيلة لفتح نقاش عام، لا مجرد حكاية ملهمة تُصفّق لها القاعات.

وفي سياق مختلف، اختارت موزون المليحان أن تجعل من التعليم سلاحًا ناعمًا.

إذ لم تقدّم نفسها كضحية حرب، بل كصاحبة رسالة واضحة: تعليم الفتيات في مناطق الأزمات ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية، وحين وقفت على منابر دولية، كما وثّقت Time وUNICEF، لم تكن تتحدث باسمها، بل باسم جيل كامل حرم من المدرسة قبل أن يعرف معنى المستقبل.

السياسة: حين يصبح الحضور موقفًا

أما في السياسة حيث اللغة قاسية والمساحات ضيقة، فقد شقّت سوريات طريقهن ببطء وإصرار، إذ تعد الوزيرة هند قبوات واحدة من أبرز الوجوه السياسية السورية في المحافل الدولية، ولم يأتِ ذلك من موقع الخطابة بل من العمل التراكمي: حوار، تفاوض، ودفاع عن إدماج النساء في مسارات الحل السياسي.

ظهورها في منصات دولية، كما تناولته تقارير صحفية غربية، لم يكن بوصفها امرأة في السياسة، بل سياسية تحمل رؤية، وتصرّ على أن أي مستقبل لسوريا دون النساء هو مستقبل ناقص؛ وتظهر تجربتها أن التحدي الحقيقي أمام السوريات في السياسة ليس الوصول إلى المنصّة، بل الاستمرار عليها دون أن يطلب منهن تخفيف مواقفهن أو تليين خطابهن.

التحدي الذي لا يراه الضوء

غير أن العالم وهو يحتفي بهذه النماذج، لا يرى دائمًا ما خلف الكواليس، فالنجاح بالنسبة لكثير من السوريات ليس لحظة تحرّر بل عبء إضافي.

تقارير صحفية مثل تلك التي نشرتها The Guardian تشير إلى أن المرأة السورية في الخارج تعيش صراعًا مزدوجًا:

  • أن تنجح، وأن تمثل قصة سوريا دون أن تختزل فيها.
  • أن تندمج، دون أن تتَّهم بالنسيان.
  • وأن تتكلم، دون أن تستدعى فقط حين يكون الألم مطلوبًا.

في الداخل قصة أخرى تكتب بصمت

بينما تروى قصص النجاح في العواصم البعيدة، تعيش غالبية السوريات واقعًا أثقل؛ فالأزمات الاقتصادية، وانعدام الاستقرار، وأعباء الإعالة، ما زالت ترسم تفاصيل الحياة اليومية لملايين النساء.

تقارير UN Women وUNHCR تظهر أن المرأة السورية اليوم هي عماد الأسرة في كثير من المناطق، لكنها لا تحظى بالتمكين الاقتصادي أو السياسي الكافي، وهنا لا يكون التحدي في تحقيق إنجاز لافت، بل في الاستمرار بالحياة ذاتها.

هل يمكن للإنجاز أن يعود إلى سوريا؟

السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل نجحت السوريات في العالم؟ بل: هل يستطيع هذا النجاح أن يصبح جسرًا لا واجهة؟

بعض التجارب تحاول ذلك، نساء عدن للعمل المدني والسياسي، أخريات ينقلن قضايا سوريا إلى المؤسسات الدولية، وبعضهن يعملن على الربط بين الداخل والخارج، بين الإنجاز الفردي والمشروع الجماعي.

غير أن هذا المسار يحتاج إلى ما هو أكثر من قصص ملهمة، يحتاج إلى سياسات، وشراكات، وإرادة ترى في المرأة السورية فاعلًا كامل الأهلية، لا رمزًا مؤقتًا.

 

خاتمة

من نساء سوريا إلى العالم، ليست الحكاية صعودًا بلا كلفة؛ هي رحلة بين إنجاز يحتفى به، وتحدٍّ لا يغادر، وإن كان العالم قد تعرّف إلى السوريات من خلال قصص النجاح، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تتحول هذه القصص إلى مسار تغيير طويل الأمد.

فالمرأة السورية، أينما كانت، لا تريد أن تكون استثناءً يروى، بل قاعدة تبنى عليها نهضةٌ تستحق الحياة.

 

©  تحرير WITH Syria

اكتب ملاحظاتك

(اقتراحات - تعديلات - اضافة)

يرجى مشاركتنا ملاحظاتك واقتراحات حول الموقع:
تم استلام ملاحظتك
loading...