المدونة / الاحدث / سوريات قاومن الموت والحياة بين جدران صيدنايا

سوريات قاومن الموت والحياة بين جدران صيدنايا

26 يناير 2026

ليست صيدنايا وحدها!

هي الاسم الأكثر شهرة، لكنّها ليست المكان الوحيد الذي عرفت فيه السوريات معنى الاعتقال والتعذيب والإخفاء؛ قبلها وبعدها كانت هناك عشرات الفروع الأمنية والسجون والمراكز السرّية التي ابتلعت النساء: في دمشق وريفها، حمص، حلب، درعا، واللاذقية.

غير أنّ صيدنايا ظلّت الرمز الأشدّ قسوة، لأنها جمعت ما تفرّق في غيرها: العزلة المطلقة، الإعدام البطيء، وتحويل الإنسان إلى رقم ينتظر دوره.

هذا المقال لا يروي حكاية سجنٍ واحد، بل يحكي عن نساء واجهن منظومة موت كاملة ثم خرجن منها حاملات شهادات، لا طلبًا للشفقة، بل دفاعًا عن الحقيقة.

صيدنايا: حين يدار الموت كإجراء

وصفته منظمات حقوقية دولية وسورية بأنه "المسلخ البشري"، حيث كان الإعدام والتعذيب وسياسة التجويع تمارس بشكل منهجي، تقارير منظمة العفو الدولية (Amnesty International) ورابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا (ADMSP) وثّقت أن السجن كان جزءًا من شبكة اعتقال أوسع هدفت إلى تحطيم السوريين نفسيًا وجسديًا، نساءً ورجالًا، منذ السنوات الأولى للثورة.

تشير شهادات منشورة في تقرير (Human Slaughterhouse) الصادر عن العفو الدولية (2017) إلى أن المعتقلات تعرّضن للتعذيب، العنف الجنسي، والإذلال المتعمّد، وأن الصمت كان شرط البقاء، وكذلك في ملفات ADMSP، تظهر روايات نساء نقلن بين فروع متعددة قبل الوصول إلى صيدنايا، ما يؤكد أن السجن لم يكن بداية الألم، بل ذروته.

شهادات نجاة: الحياة أقوى من الجدران

من بين الشهادات التي نشرت في منصات صحفية وبحثية دولية، تبرز قصص نساء لم يخرجن من السجن لينسين، بل ليحوّلن الذاكرة إلى فعل، ودعينا نطالع معكِ بعض قصصهن:

آمنة خولاني

اعتقلت آمنة في 2012 وقضت سنوات في سجون النظام، ولكنها وبعد الإفراج عنها لم تنسحب إلى الصمت، بل شاركت في تأسيس مبادرات للدفاع عن المعتقلين والمختفين قسرًا، وأصبحت صوتًا لعائلات لا تزال تنتظر.

شهادتها المنشورة في مقابلات وتقارير لمنصات حقوقية وصحفية (منها New Lines Magazine ومواد توثيقية سورية)، تظهر كيف يمكن للناجية أن تقاوم السجّان بعد السجن، لا فقط داخله.

ملاك

في إحدى الشهادات المنشورة على New Lines Magazine، تروي "ملاك" وهي محامية سورية اعتقلت بسبب نشاطها المرتبط بالثورة، كيف انتقلت بين أكثر من فرع أمني قبل أن تجد نفسها في سجن شديد الحراسة، ولم يكن التعذيب وحده ما ينهكها، بل شعور التعليق خارج الزمن: لا تاريخ، لا تهمة واضحة، ولا أفق.

وتقول في شهادتها إن أكثر ما كان يؤلمها هو إدراكها أن القانون الذي دافعت عنه يومًا صار أداة ضدها، ومع ذلك خرجت "ملاك" وهي أكثر إيمانًا بأن العدالة ليست نصوصًا جامدة، بل مسؤولية أخلاقية تستعاد بالفعل العام، وانخرطت بعد الإفراج عنها في العمل الحقوقي، وشاركت في توثيق شهادات معتقلين ومعتقلات، معتبرة أن النجاة الفردية لا تكتمل دون نجاة الحقيقة.

إلهام

تعدّ شهادة إلهام من أكثر الشهادات قسوة وانتشارًا في التقارير الصحفية والحقوقية، وقد اعتقلت وهي حامل، ووضعت طفلها في ظروف قاسية داخل السجن، قبل أن ينتزع منها لاحقًا، سنوات طويلة قضتها بين الزنازين، فقدت خلالها الإحساس بالزمن، لكنها لم تفقد إحساسها بذاتها؛ في روايتها المنشورة، تقول إن أكثر ما كان يقوّيها هو ترديد أسماء أحبّتها في سرّها، كأنها بذلك تمنع السجّان من امتلاك ذاكرتها، وحين خرجت بعد سنوات، خرجت بلا طفل، لكن بروحٍ لم تنكسر.

إلهام اليوم واحدة من النساء اللواتي تحدّثن علنًا عن تجربة الاعتقال والأمومة في السجون، في محاولة لكسر الصمت الذي طال هذا الجانب المسكوت عنه من تجربة السوريات.

صباح حرموش

في تغطية نشرتها منصة Syrian Direct بعد سقوط النظام، تحكي صباح حرموش عن لحظة فتح باب زنزانتها، فلم تصدّق أن خروجها حقيقية، خرجت وهي تتوقّع أن ينادى اسمها للعودة، كما حدث مرات سابقة، تروي أنها سارت طويلًا بعد الإفراج، لا هربًا، بل بحثًا عن يقين بأن الكابوس انتهى.

صباح التي قضت سنوات في الاعتقال، لم تعتبر خروجها نهاية المعركة، بل بدايتها: معركة التعافي، واستعادة الصوت، والمطالبة بمصير من بقين خلف القضبان.

 

ما يجمع آمنة خولاني، ملاك، إلهام، وصباح حرموش، ليس الألم وحده بل القرار: ألا يتركن السجّان يكتب الخاتمة.

هؤلاء النساء لم يخرجن من المعتقلات ليصبحن "قصصًا مؤثرة" فحسب، بل فاعلات في معركة الذاكرة والعدالة، في سوريا التي تحاول اليوم أن تنهض بعد سقوط النظام عام 2024.

ما بعد الخروج: معركة ثانية

تؤكد تقارير Syrian Direct وHuman Rights Watch أن كثيرًا من السجينات الناجيات واجهن محاكمة اجتماعية بعد الإفراج: الوصم، العزلة، صعوبة الاندماج، والحاجة إلى علاج نفسي طويل الأمد، لكنّ اللافت أن عددًا كبيرًا منهن اختار العمل العام: التوثيق، الدعم القانوني، والمناصرة الدولية.

وهنا تتحول النجاة من حدث فردي إلى مسؤولية أخلاقية: أن لا يبقى من في الداخل بلا صوت.

بعد سقوط النظام 2024: العدالة كطريق للشفاء

مع تحرير سوريا في 2024 وفتح أبواب السجون، خرجت شهادات جديدة، وتأكد للعالم حجم ما جرى، غير أن الحرية كما تقول ناجيات كثيرات في شهادات منشورة، ليست كافية وحدها.

العدالة والمساءلة، كشف المصير، وجبر الضرر هي الطريق الوحيد لتحويل الذاكرة إلى نهضة.

إن قصص السوريات اللواتي تحدّين السجّان بعد الإفراج تثبت أن إعادة بناء سوريا تبدأ بالاعتراف بهن كشريكات في صياغة الحقيقة والمستقبل.

خاتمة

صيدنايا لم تكن المعتقل الوحيد، لكنها كانت المرآة الأوضح لمنظومة حاولت قتل المعنى، والنساء اللواتي خرجن منها ومن غيرها لم يخرجن مكسورات، بل محمّلات بواجب الشهادة؛ سيدات قاومن الموت والحياة، لا ليبقين أحياء فحسب، بل ليعيدن تعريف ما تعنيه الحرية في سوريا.

 

©  تحرير WITH Syria

اكتب ملاحظاتك

(اقتراحات - تعديلات - اضافة)

يرجى مشاركتنا ملاحظاتك واقتراحات حول الموقع:
تم استلام ملاحظتك
loading...